I.
تأسيس العنوان
1-
مفهوم العنوان:
إنّ العنوان كان ولا يزال يسترعي اهتمام النقاد
والدارسين، وليس الأمر جديدا، فقد استوقف الأقدمين في الشعر العربي خصوصا، ورافق
جميع مراحل تطوره إلى أن ظهرت السيميائيات، واهتمت بدراسة العنوان، وظهرت المفاهيم
وتعددت التعاريف حول مصطلح العنوان وأصبح إشكال ونقطة انطلاق النقاد والباحثون في
السيمياء لتحديد مصطلح مفهوم العنوان.
أ/ لغة:
سنتطرق إلى لفظة العنوان "كمصطلح لغوي حيث جاءت في
"لسان العرب" لـــ "ابن منظور" "عن ابن سيد" قوله:
"العنوان والعنوان سمة الكتاب، وعنوانه عنونه وعنّاه إذا وسمه بعنوان، وقال
أيضا: العنوان سمة الكتاب وقد عناه وأعناه، وعنونت الكتاب، قال يعقوب: وسمعت من
يقول: أظنْ وأعنْ أي عنونْه وختمه، قال ابن سيد: في جبهته عنوان من كثرة السجود أي
أثر...."[1].
أما "ابن البري" فقال: "العنوان هو الأثر"[1].
ولهذا فالعنوان لغة يتفق ولو جزئيا مع المعنى الإصطلاحي بأنه أثر أو سمة أي علامة،
تميز النص الأدبي عن غيره من النصوص الأخرى.
ب-إصطلاحا:
لقد اعتبر العنوان علامة مميزة، فقد اتفق أغلب الدارسين
على أنه عتبة من عتبات النص، ومفتاحا من أهم مفاتيحه، ولا يستطيع أي دارس تجاوزه
أثناء الدراسة والتحليل، لأنه بؤرة النص، فهو قراءة شخصية أو اختصار يقوم به
المؤلف لنصه، وهو مقطع لغوي أقل من الجملة يمثل نصا عملا فنيا"[2].
لا يكون العنوان قصيرا دائما، ففي بعض الروايات نجد لها عنوانا طويلا مثل
رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، للروائي الجزائري "الطاهر
وطار"، كما يكون قصير متمثل في لفظة واحدة مثل رواية "الزلزال"
للكاتب نفسه.
فالعنوان له الصدارة يبرز متميزا بشكله وحجمه، فهو أول لقاء بالقارئ
والنص... حيث صار هو آخر أعمال الكاتب، وأول أعمال القارئ"[3].
ولقد انصب اهتمام الدارسين
[1] - تاوريريت البشير، سيميائية العنوان واستراتيجية المفارقة، دار
الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، عين مليلة، 2004، ص101.
بتركيبته النحوية، التي تعتبر مهمة لأنها تساهم بشكل كبير في جذب المتلقي،
الذي يساهم بشكل كبير في إبراز قيمة العنوان.
كما نجد الناقد "لوموك" يعرفه على أنه: "مجموع العلاقات
اللسانية التي يمكن أن تدرج على نص لتجدده"[1].
1-
العنوان ولحظة التأسيس:
يتمتع العنوان بموقع استراتيجي يخوله لأداء أدوار
وظائفية متنوعة حتى صار استقلال العنوان عن العمل الأدبي لا ينفي علاقته به،
فالعنوان جزء من العمل الأدبي فهو يشمل النص من خلال بنيته ودلالاته ودخل إلى
أغوار النص وتفسيره، إذ أن العنوان هو سمة العمل الأدبي فيمكن أن يمثل الهدف من
العمل ذاته.[2]
إضافة إلى كل ما سبق يمكن أن نلمس نقطة تلاقي بين العنونة والتسمية
"فالعنونة في جانب منها تسمية والتسمية في جانب عنوان، ولأمر ما اقتضت مشيئة
الله أن يعلم آدم الأسماء بعد أن أسماه"[3].
وعلى سبيل المثال نجد أن العناوين في أعمال أحلام مستغانمي (ذاكرة الجسد)
تتسم بالموائمة الواقعية مع العمل الأدبي تشكل تطابقا بينهما وبين مضمون العمل
الشعري
[1] - محمد سويرتي، النقد البنيوي
والنص الروائي، نماذج تحليلية من النقد العربي للمنهج البنيوي، إفريقيا الشرق،
المغرب، دط، 1991، ص61.
عنوان الرواية مكتنز بدلالات تفتقد طاقات هائلات من الشعر. فالذاكرة نقيض
الجسد النسيان حافظة وواعية على كل شيء، وهي في الوقت نفسه ضد النسيان، ولكن
الذاكرة ليست من مفردات الجسد ولم تألف متلقين وقراءة، أن للجسد ذاكرة[1].
نتساءل بذلك كيف يكون الجسد؟ وهل الجسد الذي ذكره جسد حقيقي؟ بعد التوغل
عميقا في معاني الرواية وفك رموزها، نتوصل إلى أن الجسد لم يعد يعني المعنى المادي
"إن يد المناضل خالد التي قطعت هي جزء من هذا الجسد، لا شك وهي هذه (اليد
الذاكرة) شاهدة على عذاب الجسد وعلى غياب قطعة منه، فهل يستطيع الإنسان نسيان جزء
منه وإن حاول؟... وهكذا كانت اليد ذاكرة وشاهدا ليس على عذاب الجسد فحسب بل وعلى
عذاب الروح أيضا"[2].
لقد قامت الكاتبة بتعويض اليد الغائبة بالذاكرة الحاضرة حيث وضعتها في مكان
العضو المفقود وهو اليد "الغياب، غياب اليد، حضورها في الذاكرة"[3].
لكن الأمر لا ينطبق على جميع العناوين فهناك عناوين لا تمت بصلة إلى العمل
الشعري "ولكن ليست كل العناوين في الشعر على هذه الشاكلة، فثمة عناوين لا
تسلم نفسها
بسهولة وإنما تصل متحجبة وممتنعة عن الظهور، إلاّ باستخدام نظام تأويلي أو
سيميائي يفك شفرتها"[1].
1-
العنوان والتعالي النصي
التعالي النصي (Trans textulity) هو كل ما
يجعل نص يتعالق (يدخل في علاقة) مع نصوص أخرى، بطريقة مباشرة أو خفية، وكلما كان
التناص أخفى كلما كان أحسن، والتعالي النصي يتجاوز معمارية النص ((architexte لأنه يضمها أو يحتويها،
كما يستوعب الأنماط الأخرى من العلاقات النصية المتعالية[2].
وثمة خمسة أنماط من التعليقات التي حددها "جينيت" وشرحها سعيد
يقطين، وهي:
1-التناص (intertextualité)
ويعني به تلاقح النصوص عبر المحاورة والاستلهام والإستنساخ بطريقة واعية أو
غير مقصودة، كما هو لدى كريستيف وباختين.
2-المناص أو النص
الموازي (paratexte)
ويقصد به كل ما يخص عناوين النص وعناوينه الفرعية، والمقدمات والذيول
والصور وكلمات الناشر...الخ
1-الميتانص (matatexte)
وهو علاقة التعليق الذي يربط نص بآخر يتحدث عنه دون أن يذكره أحيانا،
ويترجم بما وراء النص أيضا.
2-النص اللاحق (hypertexte)
ويترجم أيضا بالنص المفرع كما عند حسام الخطيب، ويكمن في العلاقة التي تجمع
النص (ب) كنص لاحق بالنص (أ) كنص سابق (hypotexte)، وهي علاقة تحويل أو محاكاة.
3-معمارية النص (architexte):
إنه النمط الأكثر تجريدا وتضمن، إنه علاقة صماء تأخذ
بعدا مناصيا، وتتصل بالنوع: شعر، رواية، بحث...إلخ.
ويعتبر النص الموازي من أكثر المفاهيم شيوعا، حيث خصصت
له مجلة "بويطيقا" عددا خاصا وكتب عنه جيراد جينيت (G-Genete) كتابا أسماه (Seuils) وترجم ب (عتبات)[1].
تحورا، يقول ميشيل فوكو:"...فخلف العنوان والأسطر
الأولى، والكلمات الأخيرة، وخلف بنيته الداخلية وشكله الذي يضفي عليه نوعا من
الإستقلالية والتمييز، ثمة منظومة من الإحالات إلى كتب ونصوص وجمل أخرى..."[1].
ومن هنا فإن التسلح باستراتيجية سيميائية، أو بحيل
تكتيكية خاصة، حسب محمد مفتاح[2]،
للظفر بمغزى العنوان، أمر ضروري لجس نبض العنوان والإقتراب من جمرته، ومحاولة فتح مغاليقه،
وتفكيك مكوناته، قصد إعادة بنائها من جديد، والمفهوم الذي تستخدمه لهذا الغرض هو: من القاعدة إلى القمة (Top-Down)، ومن القمة
إلى القاعدة، بدءا بفهم معاني الكلمات المعجمية وبنية الجملة ومعناها الحركي أي من
القاعدة إلى القمة، وعلى أساس هذه الجملة تتوقع ما يتحمل أن يعلوها من جمل، أي من
القمة إلى القاعدة[3].
... ويتضح من خلال دراسة "لجينيت" أن العنوان
من أهم العناصر التي يستند إليها النص الموازي (paratexte)، وهو بمثابة
عتبة تحيط بالنص، عبرها نقتحم أغوار النص، وفضاءه الرمزي الدلالي، أي أن النص
الموازي هو دراسة للعتبات المحيطة بالنص، والعتبات هي المدخل التي تؤهل المتلقي
بأن يمسك بالخيوط الأولية والأساسية للعمل الذي يراد دراسته.
ولعل هذه الأهمية التي يكتسبها العنوان في دلالته على
النص هي التي دفعت "ليوهوك" (Leo Hock) لتقديم دراسة عميقة تناولت
العنوان، وسمها بــ « la marque
du titre »، أي
"سمة العنوان". فقد عرف العنوان بأنه مجموعة علامات[1]
لسانية، تصور، وتعيين، وتشير إلى المحتوى العام للنص.
1-
وظائف العنوان:
يفرز العنوان معاني جمالية وتجليات خاصة لدى كل قارئ،
بحسب تصوره وخبراته وحالته الذهنية وقت القراءة، ويحمل ذلك العنوان رؤية للعالم،
لا تخص المؤلف وحده، لكنها تقع أيضا على محور اهتمام القارئ، فتتحقق في العنوان
وظائف الإغراء وغيرها، والتي سنتناول بعضها عند بعض الدارسين الغرب:
1- جيرار جينيت: لقد حدد جينيت في كتابه "عتبات" أربع وظائف
تخص العنوان فقط دون الأشكال الخطابية الأخرى وهي كالآتي:
Ø
الوظيفة التعيينية:
تعد أكثر الوظائف انتشارا وشيوعا، بل لا يكاد يخلو منها أي عنوان، وتسمى
أيضا وظيفة التسمية، لأنها تتكفل بتسمية العمل الأدبي، فهذه الوظيفة تشترك فيها
"الأسامي أجمل
وتصبح بمقتضاها مجرد ملفوظات تفرق بين المؤلفات والأعمال الفنية"[1]
وهي وإن صح تعبيرنا تحدد هوية النص وكأنها تقدم تعريفا موجزا عن النص دون أن تنفصل
بالطبع عن الوظائف الأخرى.
وقد استعمل بعض النقاد تسميات أخرى لهذه الوظيفة وهي
تقريبا تحمل معنى واحد وهو التعيين، ومن هذه التسميات: استدعائية، تسموية،
تمييزية، مرجعية.
Ø
الوظيفة الوصفية:
وهي الوظيفة نفسها التي عناها
"ليوهوك" عندما عرف العنوان على أنه: "مجموعة من العلامات
اللسانية، ترد طالع النص لتعينه وتعلن عن فحواه وترغب القراء فيه"[2] ،
فموجب هذه الوظيفة يصف العنوان النص ويقول شيئا عن موضوعه ونوعه أو جنسه الأدبي أو
كلاهما معا، ولذلك فهي دائمة الحضور ولا غنى عنها[3].
Ø
الوظيفة الإيحائية:
وترتبط هذه الوظيفة ارتباطا وثيقا بالوظيفة الوضعية، بقصد من الكاتب أو
بغير قصد، وهي ضرورية لأن كل عنوان مثل أي ملفوظ له طريقته الخاصة وأسلوبه الخاص،
كما أنها تعتمد على قدرة المؤلف على الإيحاء والتلميح من خلال تراكيب لغة العنوان،
إلاّ أنها
ليست دائما قصدية لذلك فقد دمجها "جنيت" في بادئ الأمر مع
الوظيفة الوضعية ثم فصلها عنه. وعلى أساس أن العنوان الذي يقوم بالوظيفة الإيحائية
"ليس كشافا للمعنى وإنما هو له كثاف"، إذ يقوم على توليده في ذهن القارئ
أكثر من قيامه على توضيحه، فليست غايته البيان وإنما توليد المعنى من رحم
النص"1.
Ø
الوظيفة الإغرائية:
تحاول هذه الوظيفة إثارة فضول القارئ وفتح شهيته للاطلاع على متن النصوص؛
فهي ضرورية تغلب على جميع الوظائف الأخرى، وتسمى أيضا الوظيفة الإشهارية لأنها ذات
طبيعة استهلاكية، وذلك لأن "قضية الكتاب المطبوع قد تطورت كشكل من الاقتصاد
الإستهلاكي، فلكي يستطيع إنتاج هذه الأشياء وجب علينا اعتبارها مواد استهلاكية شبيهة
بالمواد الغذائية، فالعنوان بالنسبة لهذه الوظيفة محل جذب وإغراء للقارئ حيث يعتبر
"إعلان إشهاري محفز للقراءة"[1]،
يحاول من خلاله الكاتب أن يثير نفسية المتلقي، ويجذبه للقراءة، حيث هذا الإغراء
وهذه الإثارة تتعلق بشكل جذري بالعملية التجارية التسويقية التي يهدف لها العديد
من الكتاب، سواء بدرجة أولى أو ثانية بعد المطمح الفنيو الإنساني للعمل الأدبي الإبداعي،
حيث أنه عندما تكون الإثارة قوية يكون التلقي واسعا والمقروئية كبيرة، والكتاب
متداولا، ومن هنا يحقق العنوان في جوانب عدة أغراضا تجارية"[2].
إذا فالوظيفة الإغرائية هي وظيفة تتسم بها جميع العناوين، وذلك راجع لرغبة
المؤلف في انتشار الكتاب وتداوله في أوسع نطاق.
وهناك وظائف أخرى للعنوان أوردها بعض العلماء الذين
اهتموا به كــ "هنري ميتلان"، "جوليا كريستيفا"، "رولان
بارث"، ولا تخرج هذه الوظائف في معظمها عن "وظيفة الإعلان"، المحتوى،
وظيفة التجنيس (تكشف عن الجنس الأدبي)، الوظيفة الإيحائية، الوظيفة التناصية،
وظيفة التخصيص والتحديد، وظيفة الإحالة، وظيفة الإستحالة، وظيفة الحث، الوظيفة
التأسيسة، الوظيفة الإنفعالية، الوظيفة الإختزالية، الوظيفة التكشفنية"[1].
سنورد بعض آراء أهم الدارسين الغربيين والعرب من أمثال "جاكوبسون"،
"هنري ميتران"، "ترانس هوكس"، "شارل جريفال"،
"رولان بارث"، "صلاح فضل"، "جميل حمدوي".
لقد جعل جاكوبسون عدة وظائف للغة: " ومن منطلق لغوية العنوان فإنه
يحيل وجوده إلى فاعلية وظيفية تتمثل في كونها: انفعالية، مرجعية، انتباهية،
جمالية، ميتالغوية"[2].
ولذلك جعل جاكوبسون العنوان عبارة عن رسالة لغوية فهو يعامله كنص، لذلك فإن وظائفه
المشهورة جارية عليه أيضا وذلك "لأن البناء اللغوي للعنوان في شتى أشكال
الخطاب يؤدي وظائف فنية تتجاوز الوظائف البراجماتية.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire