samedi 5 octobre 2019

تأسيس العنوان


    I.      تأسيس العنوان
1-       مفهوم العنوان:
إنّ العنوان كان ولا يزال يسترعي اهتمام النقاد والدارسين، وليس الأمر جديدا، فقد استوقف الأقدمين في الشعر العربي خصوصا، ورافق جميع مراحل تطوره إلى أن ظهرت السيميائيات، واهتمت بدراسة العنوان، وظهرت المفاهيم وتعددت التعاريف حول مصطلح العنوان وأصبح إشكال ونقطة انطلاق النقاد والباحثون في السيمياء لتحديد مصطلح مفهوم العنوان.
أ/ لغة:
سنتطرق إلى لفظة العنوان "كمصطلح لغوي حيث جاءت في "لسان العرب" لـــ "ابن منظور" "عن ابن سيد" قوله: "العنوان والعنوان سمة الكتاب، وعنوانه عنونه وعنّاه إذا وسمه بعنوان، وقال أيضا: العنوان سمة الكتاب وقد عناه وأعناه، وعنونت الكتاب، قال يعقوب: وسمعت من يقول: أظنْ وأعنْ أي عنونْه وختمه، قال ابن سيد: في جبهته عنوان من كثرة السجود أي أثر...."[1].


[1] - ابن منظور، لسان العرب، المجلد 15، دار صادر، بيروت، ط1، 1992، ص106.



أما "ابن البري" فقال: "العنوان هو الأثر"[1]. ولهذا فالعنوان لغة يتفق ولو جزئيا مع المعنى الإصطلاحي بأنه أثر أو سمة أي علامة، تميز النص الأدبي عن غيره من النصوص الأخرى.
ب-إصطلاحا:
لقد اعتبر العنوان علامة مميزة، فقد اتفق أغلب الدارسين على أنه عتبة من عتبات النص، ومفتاحا من أهم مفاتيحه، ولا يستطيع أي دارس تجاوزه أثناء الدراسة والتحليل، لأنه بؤرة النص، فهو قراءة شخصية أو اختصار يقوم به المؤلف لنصه، وهو مقطع لغوي أقل من الجملة يمثل نصا عملا فنيا"[2].
لا يكون العنوان قصيرا دائما، ففي بعض الروايات نجد لها عنوانا طويلا مثل رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، للروائي الجزائري "الطاهر وطار"، كما يكون قصير متمثل في لفظة واحدة مثل رواية "الزلزال" للكاتب نفسه.
فالعنوان له الصدارة يبرز متميزا بشكله وحجمه، فهو أول لقاء بالقارئ والنص... حيث صار هو آخر أعمال الكاتب، وأول أعمال القارئ"[3]. ولقد انصب اهتمام الدارسين


[1] - تاوريريت البشير، سيميائية العنوان واستراتيجية المفارقة، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، عين مليلة، 2004، ص101.
[2] - سعيد علوش، معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، الدار البيضاء، المغرب، 1984، ص89.
[3] - عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير، منشورات النادي


بتركيبته النحوية، التي تعتبر مهمة لأنها تساهم بشكل كبير في جذب المتلقي، الذي يساهم بشكل كبير في إبراز قيمة العنوان.
كما نجد الناقد "لوموك" يعرفه على أنه: "مجموع العلاقات اللسانية التي يمكن أن تدرج على نص لتجدده"[1].
1-   العنوان ولحظة التأسيس:
يتمتع العنوان بموقع استراتيجي يخوله لأداء أدوار وظائفية متنوعة حتى صار استقلال العنوان عن العمل الأدبي لا ينفي علاقته به، فالعنوان جزء من العمل الأدبي فهو يشمل النص من خلال بنيته ودلالاته ودخل إلى أغوار النص وتفسيره، إذ أن العنوان هو سمة العمل الأدبي فيمكن أن يمثل الهدف من العمل ذاته.[2]
إضافة إلى كل ما سبق يمكن أن نلمس نقطة تلاقي بين العنونة والتسمية "فالعنونة في جانب منها تسمية والتسمية في جانب عنوان، ولأمر ما اقتضت مشيئة الله أن يعلم آدم الأسماء بعد أن أسماه"[3].
وعلى سبيل المثال نجد أن العناوين في أعمال أحلام مستغانمي (ذاكرة الجسد) تتسم بالموائمة الواقعية مع العمل الأدبي تشكل تطابقا بينهما وبين مضمون العمل الشعري


[1] - محمد سويرتي، النقد البنيوي والنص الروائي، نماذج تحليلية من النقد العربي للمنهج البنيوي، إفريقيا الشرق، المغرب، دط، 1991، ص61.
[2] - بسام قطوس، سيمياء العنوان، ص39.
[3] - المرجع نفسه ص42.


عنوان الرواية مكتنز بدلالات تفتقد طاقات هائلات من الشعر. فالذاكرة نقيض الجسد النسيان حافظة وواعية على كل شيء، وهي في الوقت نفسه ضد النسيان، ولكن الذاكرة ليست من مفردات الجسد ولم تألف متلقين وقراءة، أن للجسد ذاكرة[1].
نتساءل بذلك كيف يكون الجسد؟ وهل الجسد الذي ذكره جسد حقيقي؟ بعد التوغل عميقا في معاني الرواية وفك رموزها، نتوصل إلى أن الجسد لم يعد يعني المعنى المادي "إن يد المناضل خالد التي قطعت هي جزء من هذا الجسد، لا شك وهي هذه (اليد الذاكرة) شاهدة على عذاب الجسد وعلى غياب قطعة منه، فهل يستطيع الإنسان نسيان جزء منه وإن حاول؟... وهكذا كانت اليد ذاكرة وشاهدا ليس على عذاب الجسد فحسب بل وعلى عذاب الروح أيضا"[2].
لقد قامت الكاتبة بتعويض اليد الغائبة بالذاكرة الحاضرة حيث وضعتها في مكان العضو المفقود وهو اليد "الغياب، غياب اليد، حضورها في الذاكرة"[3].
لكن الأمر لا ينطبق على جميع العناوين فهناك عناوين لا تمت بصلة إلى العمل الشعري "ولكن ليست كل العناوين في الشعر على هذه الشاكلة، فثمة عناوين لا تسلم نفسها


[1] - المرجع نفسه، ص24.
[2] - المرجع نفسه، ص124-125.
[3] - بسام قطوس، ص24.


بسهولة وإنما تصل متحجبة وممتنعة عن الظهور، إلاّ باستخدام نظام تأويلي أو سيميائي يفك شفرتها"[1].
1-       العنوان والتعالي النصي
التعالي النصي (Trans textulity) هو كل ما يجعل نص يتعالق (يدخل في علاقة) مع نصوص أخرى، بطريقة مباشرة أو خفية، وكلما كان التناص أخفى كلما كان أحسن، والتعالي النصي يتجاوز معمارية النص ((architexte لأنه يضمها أو يحتويها، كما يستوعب الأنماط الأخرى من العلاقات النصية المتعالية[2].
وثمة خمسة أنماط من التعليقات التي حددها "جينيت" وشرحها سعيد يقطين، وهي:
1-التناص (intertextualité)
ويعني به تلاقح النصوص عبر المحاورة والاستلهام والإستنساخ بطريقة واعية أو غير مقصودة، كما هو لدى كريستيف وباختين.
2-المناص أو النص الموازي (paratexte)
ويقصد به كل ما يخص عناوين النص وعناوينه الفرعية، والمقدمات والذيول والصور وكلمات الناشر...الخ


[1] - المرجع نفسه، ص41.
[2] - سعيد يقطين، لنفتاح النص الروائي، المركز الثقافي العربي، 1989، ص96.


1-الميتانص (matatexte)
وهو علاقة التعليق الذي يربط نص بآخر يتحدث عنه دون أن يذكره أحيانا، ويترجم بما وراء النص أيضا.
2-النص اللاحق (hypertexte)
ويترجم أيضا بالنص المفرع كما عند حسام الخطيب، ويكمن في العلاقة التي تجمع النص (ب) كنص لاحق بالنص (أ) كنص سابق (hypotexte)، وهي علاقة تحويل أو محاكاة.
3-معمارية النص (architexte):
إنه النمط الأكثر تجريدا وتضمن، إنه علاقة صماء تأخذ بعدا مناصيا، وتتصل بالنوع: شعر، رواية، بحث...إلخ.
ويعتبر النص الموازي من أكثر المفاهيم شيوعا، حيث خصصت له مجلة "بويطيقا" عددا خاصا وكتب عنه جيراد جينيت (G-Genete) كتابا أسماه (Seuils) وترجم ب (عتبات)[1].


[1] - سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي، ص97.


تحورا، يقول ميشيل فوكو:"...فخلف العنوان والأسطر الأولى، والكلمات الأخيرة، وخلف بنيته الداخلية وشكله الذي يضفي عليه نوعا من الإستقلالية والتمييز، ثمة منظومة من الإحالات إلى كتب ونصوص وجمل أخرى..."[1].
ومن هنا فإن التسلح باستراتيجية سيميائية، أو بحيل تكتيكية خاصة، حسب محمد مفتاح[2]، للظفر بمغزى العنوان، أمر ضروري لجس نبض العنوان والإقتراب من جمرته، ومحاولة فتح مغاليقه، وتفكيك مكوناته، قصد إعادة بنائها من جديد، والمفهوم الذي تستخدمه لهذا الغرض هو: من القاعدة إلى القمة (Top-Down)، ومن القمة إلى القاعدة، بدءا بفهم معاني الكلمات المعجمية وبنية الجملة ومعناها الحركي أي من القاعدة إلى القمة، وعلى أساس هذه الجملة تتوقع ما يتحمل أن يعلوها من جمل، أي من القمة إلى القاعدة[3].
... ويتضح من خلال دراسة "لجينيت" أن العنوان من أهم العناصر التي يستند إليها النص الموازي (paratexte)، وهو بمثابة عتبة تحيط بالنص، عبرها نقتحم أغوار النص، وفضاءه الرمزي الدلالي، أي أن النص الموازي هو دراسة للعتبات المحيطة بالنص، والعتبات هي المدخل التي تؤهل المتلقي بأن يمسك بالخيوط الأولية والأساسية للعمل الذي يراد دراسته.


[1] - حفريات المعرفة، تر: سالم يفوت، الدار البيضاء، 1989، ص23.
[2] - محمد مفتاح، دينامية النص، ص55-60.
[3] - مرجع نفسه,ص 60.

ولعل هذه الأهمية التي يكتسبها العنوان في دلالته على النص هي التي دفعت "ليوهوك" (Leo Hock) لتقديم دراسة عميقة تناولت العنوان، وسمها بــ « la marque du titre »، أي "سمة العنوان". فقد عرف العنوان بأنه مجموعة علامات[1] لسانية، تصور، وتعيين، وتشير إلى المحتوى العام للنص.
1-       وظائف العنوان:
يفرز العنوان معاني جمالية وتجليات خاصة لدى كل قارئ، بحسب تصوره وخبراته وحالته الذهنية وقت القراءة، ويحمل ذلك العنوان رؤية للعالم، لا تخص المؤلف وحده، لكنها تقع أيضا على محور اهتمام القارئ، فتتحقق في العنوان وظائف الإغراء وغيرها، والتي سنتناول بعضها عند بعض الدارسين الغرب:
1- جيرار جينيت: لقد حدد جينيت في كتابه "عتبات" أربع وظائف تخص العنوان فقط دون الأشكال الخطابية الأخرى وهي كالآتي:
Ø   الوظيفة التعيينية:
تعد أكثر الوظائف انتشارا وشيوعا، بل لا يكاد يخلو منها أي عنوان، وتسمى أيضا وظيفة التسمية، لأنها تتكفل بتسمية العمل الأدبي، فهذه الوظيفة تشترك فيها "الأسامي أجمل


[1] - أنظر: شعيب خليفي، النص الموازي للرواية (إستراتيجية العنوان)، مجلة الكرمل، ع16، 1992، ص84.



وتصبح بمقتضاها مجرد ملفوظات تفرق بين المؤلفات والأعمال الفنية"[1] وهي وإن صح تعبيرنا تحدد هوية النص وكأنها تقدم تعريفا موجزا عن النص دون أن تنفصل بالطبع عن الوظائف الأخرى.
وقد استعمل بعض النقاد تسميات أخرى لهذه الوظيفة وهي تقريبا تحمل معنى واحد وهو التعيين، ومن هذه التسميات: استدعائية، تسموية، تمييزية، مرجعية.
Ø   الوظيفة الوصفية:
  وهي الوظيفة نفسها التي عناها "ليوهوك" عندما عرف العنوان على أنه: "مجموعة من العلامات اللسانية، ترد طالع النص لتعينه وتعلن عن فحواه وترغب القراء فيه"[2] ، فموجب هذه الوظيفة يصف العنوان النص ويقول شيئا عن موضوعه ونوعه أو جنسه الأدبي أو كلاهما معا، ولذلك فهي دائمة الحضور ولا غنى عنها[3].
Ø   الوظيفة الإيحائية:
وترتبط هذه الوظيفة ارتباطا وثيقا بالوظيفة الوضعية، بقصد من الكاتب أو بغير قصد، وهي ضرورية لأن كل عنوان مثل أي ملفوظ له طريقته الخاصة وأسلوبه الخاص، كما أنها تعتمد على قدرة المؤلف على الإيحاء والتلميح من خلال تراكيب لغة العنوان، إلاّ أنها


[1] - بسام قطوس، سيمياء العنوان، وزارة الثقافة، عمان، الأردن، ط1، 2001، ص50.
[2] -المرجع نفسه,ص51
[3] - المرجع نفسه,ص52


ليست دائما قصدية لذلك فقد دمجها "جنيت" في بادئ الأمر مع الوظيفة الوضعية ثم فصلها عنه. وعلى أساس أن العنوان الذي يقوم بالوظيفة الإيحائية "ليس كشافا للمعنى وإنما هو له كثاف"، إذ يقوم على توليده في ذهن القارئ أكثر من قيامه على توضيحه، فليست غايته البيان وإنما توليد المعنى من رحم النص"1.
Ø   الوظيفة الإغرائية:
تحاول هذه الوظيفة إثارة فضول القارئ وفتح شهيته للاطلاع على متن النصوص؛ فهي ضرورية تغلب على جميع الوظائف الأخرى، وتسمى أيضا الوظيفة الإشهارية لأنها ذات طبيعة استهلاكية، وذلك لأن "قضية الكتاب المطبوع قد تطورت كشكل من الاقتصاد الإستهلاكي، فلكي يستطيع إنتاج هذه الأشياء وجب علينا اعتبارها مواد استهلاكية شبيهة بالمواد الغذائية، فالعنوان بالنسبة لهذه الوظيفة محل جذب وإغراء للقارئ حيث يعتبر "إعلان إشهاري محفز للقراءة"[1]، يحاول من خلاله الكاتب أن يثير نفسية المتلقي، ويجذبه للقراءة، حيث هذا الإغراء وهذه الإثارة تتعلق بشكل جذري بالعملية التجارية التسويقية التي يهدف لها العديد من الكتاب، سواء بدرجة أولى أو ثانية بعد المطمح الفنيو الإنساني للعمل الأدبي الإبداعي، حيث أنه عندما تكون الإثارة قوية يكون التلقي واسعا والمقروئية كبيرة، والكتاب متداولا، ومن هنا يحقق العنوان في جوانب عدة أغراضا تجارية"[2].


  1-  رشيد بن مالك: السيميائية السردية (دراسات تطبييقية)، مخطوط قيد الطبع، عمان، الأردن، ص57.
[2] - المرجع نفسه، ص58.



إذا فالوظيفة الإغرائية هي وظيفة تتسم بها جميع العناوين، وذلك راجع لرغبة المؤلف في انتشار الكتاب وتداوله في أوسع نطاق.
وهناك وظائف أخرى للعنوان أوردها بعض العلماء الذين اهتموا به كــ "هنري ميتلان"، "جوليا كريستيفا"، "رولان بارث"، ولا تخرج هذه الوظائف في معظمها عن "وظيفة الإعلان"، المحتوى، وظيفة التجنيس (تكشف عن الجنس الأدبي)، الوظيفة الإيحائية، الوظيفة التناصية، وظيفة التخصيص والتحديد، وظيفة الإحالة، وظيفة الإستحالة، وظيفة الحث، الوظيفة التأسيسة، الوظيفة الإنفعالية، الوظيفة الإختزالية، الوظيفة التكشفنية"[1]. سنورد بعض آراء أهم الدارسين الغربيين والعرب من أمثال "جاكوبسون"، "هنري ميتران"، "ترانس هوكس"، "شارل جريفال"، "رولان بارث"، "صلاح فضل"، "جميل حمدوي".
لقد جعل جاكوبسون عدة وظائف للغة: " ومن منطلق لغوية العنوان فإنه يحيل وجوده إلى فاعلية وظيفية تتمثل في كونها: انفعالية، مرجعية، انتباهية، جمالية، ميتالغوية"[2]. ولذلك جعل جاكوبسون العنوان عبارة عن رسالة لغوية فهو يعامله كنص، لذلك فإن وظائفه المشهورة جارية عليه أيضا وذلك "لأن البناء اللغوي للعنوان في شتى أشكال الخطاب يؤدي وظائف فنية تتجاوز الوظائف البراجماتية.


[1] - عثمان بدري: وظيفة اللغة في الخطاب الروائي الواقعي عند نجيب محفوظ (دراسة تطبيقية)، موفم للنشر والتوزيع، دط، 2001، ص29.
[2] - علي حداد: العين والعتبة مقاربة لشعرية العنونة عند البردوني، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، ع370، دمشق، شباط 2002.



مفهوم السيميائية


مفهوم السيميائية:
أ‌-    مفردة سيمياء ليست بالجديدة في اللغة العربية إذ ورد ذكرها في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: "سيماهم في وجوههم من أثر السجود" {البقرة/29}
أيضا: "يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام" {الرحمان/41}
وكذلك في قوله: "حجارة من طين مسومة" أي عليها أمثال الخواتيم....وسوّم الرياح: مرها، والسيما مقصور من الواو، وقد تجيء السيماء والسيمياء ممدودين. ونلاحظ أن الدلالة التي حملها هذا اللفظ في تلك الآيات هي نفسها الدلالة التي ذكرها ابن منظور وهي العلامة.
كما وردت هذه اللفظة في الشعر العربي القديم ومنه قول أسيد بن عنقاء الفزاري:
غلام رماه الله بالحسن يافعا             له سيمياء لا تَشُقُ على البصر
أي يفرح به من ينظر إليه[1].
وجاء في القاموس الموسوعي لعلوم اللغة للمفكر تزيفيتان تودوروف كالتالي:
"السيميائية أو (السيميولوجيا) هي العلم الذي يدرس العلامات"[2].


[1] - فيصل الأحمر: معجم السيميائية، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2010، ص30.
[2] - تودوروف: السيميائية (السيميولوجيا) العلم الذي يدرس العلامات، باريس، 1972، ....(أين الصفحة)

ورد في لسان العرب أن السِمياء هي العلامة المشتقة من الفعل سَام الذي هو مقلوب وَسَمَ وأصلها "وَسَمَى" وهي في الصورة فُعلى، يدل على ذلك قولهم سِمَةٌ، فإن أصلها: وسَمْةٌ، ويقولون: سيمى بالقصر، وسِيمَاءٌ بالمد، وسيمياء بزيادة الياء وبالمد، ويقولون: سَوَّمَ إذا جعل سِمَةٌ في قولهم: سَوّمَ فَرَسَه، أي جعل عليه السيمة، وقيل: الخيل المُسَوَّمَةُ هي التي عليها السيما والسَوْمَةُ، وهي العلامة[1].
ومن خلال هذا الشرح يتضح لنا أن كلمة السيمياء تعني العلامة
أ‌-   السيمياء اصطلاحا:
إن القول بمصطلح « sémiotique » يستدعي -عرض- إدراك المفهوم الإغريقي للحد sémeion الذي يحيل على "سمة مميزة" (marque distinctive)، أثر (trace)، قرينة (indice) علامة منذرة، برهان (preuve) علامة منقوشة أو مكتوبة، بصمة (empreinte)، تمثيل تشكيلي...[2]
فالسيمياء حسب بييرو جيرو "علم يدرس أنساق الإشارات: لغات أنماط إشارات المرور إلى آخره" وهذا التعريف يجعل اللغة جزءا من العلامة[3].


[1] - ينظر: ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، (د،ت) 12، ص311: مادة سوم.
[2] - يوسف أوغليسي: إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2008، ص223.
[3] - بييرو جيرو: مقدمة علم الإشارة-السيميولوجية-، ترجمة: منذر عياشي، دار طلاس للدراسات والترجمة، ط1، 1988، ص23.



وقد عرفت السيميائية بمصطلحات عديدة أهمها:
السيميولوجيا، حسب اللغوي السويسري "فرديناند دي سوسير" والسيميوطيقا حسب العالم والفيلسوف الأمريكي "شارل ساندرس بيرس" فالمصطلح الأول (السيميولوجيا) يمكن إرجاعه إلى التراث الإغريقي، حيث يعني: Sémeion العلامة، و Logos الخطاب الذي نجده مستقلا في كلمات مثل علم الاجتماع، وعلم الأديان، وعلم الأحياء...[1] .
أما السيميوطيقا فاعتبرت كجزء من علم عام وهو علم الطب، موضوعها هو دراسة وفحص الأمراض بالاعتماد على أغراضها.
نجد "غريماس" يعرّفها بقوله: "أنها علم جديد مستقل تماما عن الأسلاف البعيدين، وهو من العلوم الأمهات ذات الجذور الضاربة في القدم، فهي –أي السيميائية- علم جديد مرتبطة بــ سوسير وبيرس الذي نظر إليها مبكرا، ونشأ هذا العلم في فرنسا اعتمادا على أعمال "رومان جاكبسون" وهيلمسلف، وكذلك في روسيا وهذا في الستينيات"[2].
وبقوله هذا ينفي وجود أية محاولة سيميائية قبل العالمين: سوسير  وبيرس، كما يرى بأن لــ "رومان جاكبسون" دورا كبيرا في بلورة هذا العلم الحديث. أما موضوع السيميائية


[1] - برنارتو سان: ما هي السيميولوجيا، تر: محمد نظيف، إفريقيا الشرق، المغرب، ط2، 1992، ص9.
[2] - فيصل الأحمر: السيميائية الشعرية جمعية الإقناع والمؤانسة، الجزائر، 2005، ص 14.


فتحدده "جوليا كريستيفا" بقولها: ""إن دراسة الأنظمة الشفوية وغير الشفوية، ومن ضمنها اللغات، بما هي أنظمة علم أخذ يتكون وهو السيميوطيقا"[1]. فالموضوع الأساسي الذي تدور حوله السيميائيات هو العلامة ولا شيء سواها، أما مهمتها فتلخصها الباحثة " كريستيفا" في قولها: " دور السيميائية هو بناء نظرية عامة عن أنظمة الإبلاغ"[2].
ومن النقاد العرب الذين نظروا لها نجد:
صلاح فضل عرفها قائلا: "هي العلم الذي يدرس الأنظمة الرمزية في كل الإشارات الدّالة وكيفية هذه الدلالة[3].
ومن خلال قوله يتبين لنا أنه يشترط أن تكون الإشارات المدروسة ذات دلالة، لأن السيميائيات تدرس دلالة هذه الإشارة.
كما نجد كذلك "سعيد علوش" يقول: "السيميائيات هي دراسة لكل مظاهر الثقافة، كما لو كانت أنظمة للعلامة، اعتمادا افتراض مظاهر الثقافة كأنظمة علامات في الواقع[4].
فهو في تعريفه يربط السيميائيات بالثقافة ومظاهرها.



[1] - عصام خلف كامل: الاتجاه السيميولوجي ونقد الشعر، دار فرحة للنشر والتوزيع، 2003، ص26.
[2] - فيصل الأحمر: السيميائية الشعرية، ص12.
[3] - عصام خلف كامل: الاتجاه السيميولوجي ونقد الشعر، ص20.
[4] - المرجع نفسه.


ويتضح لنا من خلال جل التعريفات بأن السيميائية نظرية واسعة جدا، يتضمنها مصطلح العلامة، وهذا مؤشر واضح على أن العلامة وأنساقها هي الموضوع الرئيسي لها[1].
    I.  قدرة الاتجاهات السيميولوجية على مقاربة النصوص الأدبية
1-   السيميولوجيا عند فرديناند دي سوسير  Ferdinand de Saussur:
تعد السيميائيات نشاطا معرفيا بالغ الأهمية وذلك من حيث أصوله وامتداداته ومن حيث مردوديته وأساليبه التحليلية، إضافة إلى أن موضوعها غير محدد في مجال بعينه، فهي تهتم بكل مجالات الفعل الإنساني وباعتبارها أداة لقراءة كل مظاهر السلوك الإنساني، بدءا من الانفعالات البسيطة، مرورا بالطقوس الاجتماعية، وانتهاء بالأنساق الايديولوجية الكبرى[2].
ولم تظهر ملامح هذا المنهج إلا مع بداية القرن العشرين، وكانت نشأتها مزدوجة؛ نشأة أدبية مع دي سوسير، ونشأة أمريكية مع بيرس[3]، يرى بعض الدارسين أن السيميائيات قد انطلقت مع سوسير الذي تنبأ بأنه سينشأ علم يدرس الدلائل داخل


[1] - ينظر: مبارك حنون، دروس في السيميائيات، دار توبقال للنشر، المغرب، ط1، 1987، ص 45-67.
[2] - عبد الله ابراهيم وآخرون: معرفة الآخر، ص76-77.
[3] - سعيد بنكراد: السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، ط2، 2005، ص15.


الحياة الاجتماعية من خلال الكشف عن قوانين جديدة تمكننا من تحليل منطقة هامة من الإنساني الاجتماعي، عبر إعادة صياغة حدود هذه الأنساق وشكلنتها.[1]
وقد أطلق عليها السيميولوجيا (Sémiologie) فهو لم يتناول السيميولوجيا عرضاً في فترة لم يشق البحث اللساني طريقه بعد إذ اقتصر باللسانيات كما جاء في كتابه: (محاضرات في اللسانيات العامة 1916 (Cours de linguistique générale حيث ترجم منه عدد من الدارسين العرب، في مقطع أصبح الاستشهاد به شهيرا في الدراسات المعاصرة.
ويرى سوسير بأن اللغة نظام من العلامات التي تعبر عن الأفكار، ويمكن تشبيه هذا النظام بنظام الكتابة وأبجدية الصم والبكم والطقوس الرمزية وصيغ الاحترام والإشارات العسكرية، ورغم هذه المماثلة تبقى اللغة أهم الأنظمة وأنه يمكننا أن نتصور علما موضوعه دراسة حياة العلامات في المجتمع، هذا العلم يطلق عليه علم العلامات[2].
لقد اقتصر هذا المنظر على تقديم تصور عام لهذا العلم وموضوعه وعلاقته باللسانيات، بحيث نجده يهدف إلى ضمها (اللسانيات) إلى السيميولوجيا كعلم جزئي لعلم عام للعلامات وهي السيميولوجيا.


[1] - نفس المرجع، ص16.
[2] - فرديناند دي سوسير، محاضرات في اللسانيات العامة، تر: يوسف غازي ومجيد النص، المؤسسة الجزائرية للطباعة، الجزائر، ط1، 1986، ص28.


ويضيف مبارك حنون قائلا: "ولذلك اعتبر سوسير أن اللسانيات ليست سوى فرع من هذا العلم العام، وهذا يعني أننا أمام نوعين من الدلائل دلائل لسانية ودلائل غير لسانية فالأولى تشكل فرعا من عموم الدلائل وبهذا تكون اللسانيات علما تابعا للسيميولوجيا باعتبار هذه الأخيرة تعتني بعموم الدلائل، إذ إن السيميولوجيا علما شموليا واللسانيات تابعا لها[1].
أما فيما يخص حديث سوسير عن مفهوم الدليل فهو يعتبره وحدة لغوية والتي تثير عند سماعها فكرة عن شيء آخر، فهو يرتبط بالجانب النفسي أي أنه عنصر من النظام يتكون عن طريق الربط بين المفهوم والصورة السمعية.[2]
كما أن العلامة عند سوسير تعد كائنا ثنائي المبنى (كيان ذو وجهين)، أحد وجهي العلاقة هو الدال « signifier » ويعني الجانب المادي من العلامة وقد وصف سوسير الدال اللفظي بأنه الصورة الصوتية، والوجه الثاني للعلامة هو المدلول « signified » الذي لا ينفصل عن الدال في أية علامة وهو بالفعل يولده الدال طبيعة نفسية.[3]


[1] - برناند توسان: ماهي السيميولوجيا، ص36.
[2] - جون ماريشايفر: القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان، تر: منذر عياش، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 2007، ص36.
[3] - بول كوبلي وليسا حائر: علم العلامات، تر: جمال الجزيري، مراجعة: إمام عبد الفتاح، إشراف: جابر عصفور، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، ط1، 2005، ص16.


وإنّ تلازم الدال والمدلول يجعل سوسير يقدم الشكل التالي:[1]

الـــــــــــــدال
الــــــــــمدلول
 



وللعلامة اللغوية حسب تعريف سوسير صفة جوهرية فهي الطبيعة الاعتباطية، وأن العلاقة بين الدال والمدلول علاقة اعتباطية، كما نجده استبدل مصطلح الدليل بالرمز (العلاقة الرمزية) ولكنه استدرك وقال: "إنّ من مميزات الرمز أنه لا يكون اعتباطيا على نحو كلي، فرمز العدالة –الميزان- لايمكن استبداله اعتباطيا بأي رمز آخر كالعربة مثلا[2].
ولأن الاعتباطية كما تحدث عنها مبارك حنون لم تعد مبدأ لسانيا فحسب وإنما صارت مبدأ سيميولوجيا، فإن اللسان باعتباره النسق القائم على الاعتباطية في جوهره، وهو نموذج موضوع السيميولوجيا، وبذلك صارت السيميولوجيا هي العلم الذي يقوم بدراسة الأنساق القائمة على اعتباطية الدليل، فاللسان في رأي سوسير أهمية كبرى في تصنيف الظواهر الدالة والكشف عن طبيعتها.


[1] - المرجع نفسه، ص18.
[2] - عبد الله ابراهيم وآخرون: معرفة الآخر، ص74.


ونجد الناقد المغربي سعيد بنكراد قد أعطى لهذا العلم الجديد ترجمة أخرى بحيث يقول: "يشير سوسير لهذا العلم في معرض تعريفه للسان قائلا: "إن اللسان نسق من العلامات المعبرة عن أفكار، وهو بذلك شبيه بأبجدية الصم والبكم، وبطقوس الرمزية، وبأشكال الآداب والإشارات العسكرية، إلاّ أنّه يعد أرقى هذه الأنساق..."[1].
ومن هنا تأتي إمكانية البحث عن علم يقوم بدراسة هذه العلامات داخل الحياة الاجتماعية (...)، ويمكن أن نطلق على هذا العلم السيميولوجيا وستكون مهمته في التعرف على كل هذه العلامات، وعلى القوانين التي تحكمها، وبما أن هذا العلم لم يوجد بعد فإننا لا نستطيع التنبؤ لا بجوهره ولا بشكله الذي سيتخذه، إننا نسجل فقط حقه في الوجود، ولن تكون اللسانيات سوى جزء من هذا العلم العام، وسنطبق قوانينه التي سيتم الكشف عنها على اللسانيات.[2]
من هنا كانت نقطة انطلاق سوسير، فلكي يحدد مفهومه للعلامة انطلق من تحديد صارم ودقيق، فقوانينه لن يتم الكشف عنها قبل تعريفه وتحديد طبيعته، وطبيعة الوحدات المكملة له، فاللسان باعتباره نسقا مستقلا يتميز بالانسجام والوحدة، هو أكثر


[1] - مبارك حنون: دروس في السيميولوجيا، ص71.
[2] - سعيد بنكراد: السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها، ص67.
الإنسان قابلية للوصف، وأكثر قابلية لأن تشتق من قوانين وقواعد سهلة التداول، إنّه ليس جوهرا، فهو نسق شكلي يتكون من علامات طبيعة خاصة.[1]
1-   سيميولوجيا شارل ساندرس بيرس Charles Sanders Peirce
سبق تباين طريقة كل من سوسير و بيرس في طبيعة تناولهما السيميائي واختلافهما في تسمية، إذ نجد بيرس يطبق عليه اسم السيميوطيق، التي تقوم عنده على المنطق، والظاهرية ومركزية الجبر، فإذا كانت الظاهرية هي الدراسة التي تصف خاصيات الظواهر في مقولاتها الثلاث، عن الوجود بوصفه كيفية ووجود وضرورة فإن سيميوطيقا بيرس تأسس على تحليل مقولاتها الوجود الثلاث وتهتم بتمظهر الدليل، أي أن بيرس يوازي بين السيميوطيق ومنطلق بيرس هو منطلق العلامات.[2]
كما أن نظرية سوسير وبيرس حول العلامة تتباين وتختلف إذ ينطلق الأول من أساس سيميولوجي، وأما الثاني (بيرس) فينظر للعلامة من منظور فلسفي يستمد مرجعية من الظاهرية والرياضيات والمنطق..، إذ يقول: "ليس المنطق بمفهوم العام كما أعتقد أنني قد أوضحت إلاّ اسم آخر للسيميوطيق. والسيميوطيق نظرية شبه ضرورية أو نظرية شكلية للعلامات، وعندما أقول أن النظرية (شبه ضرورية أو نظرية شكلية أداتها شكلية) فإنني أعني بذلك أننا نرصد طبيعة العلامات كما


[1] - المرجع نفسه، ص67-68.
[2] - مبارك حنون: دروس في السيميائيات، ص76.


نعرفها[1]...ويرى بيرس بأنه بإمكان أي شيء أن يصبح علامة، يقول: "ليس باستطاعتي أن أدرس أي شيء في الكون كالرياضيات والأخلاق، والميتافيزيقا والجاذبية الأرضية والديناميكية الحرارية والبصريات والكيمياء وعلم التشريح المقارن وعلم الفلك وعلم النفس وعلم الصوتيات وعلم الاقتصاد وتاريخ العلم والكلام...إلاّ على أنه نظام سيميولوجي"[2].
وبهذه النظرية تصبح السيميائية تهدف إلى البحث عن حل الأنظمة الدالة في مختلف العلوم إنسانية أو عقلية، لأنها –حسب رأيه-تقوم على مبدأ العلامة التي تجدها عند سوسير ثنائية (دال ومدلول) والعلاقة بينهما اعتباطية، أما العلامة عند بيرس فهي كيانا ثلاثي المبنى: ممثل، مؤول، موضوع، كما اعتمد بيرس في تقسيمه للعلامة على مبدأ التثليث، انطلاقا من هذه العناصر الثلاثة المكونة للعلامة باعتبار الممثل أو المحول (يقابله الدال عند سوسير) الذي ينقسم بدوره إلى علامة نوعية، علامة فرعية وعلامة منفردة.
أما الموضوع فينقسم إلى أيقونة، ومؤشر ورمز، أما التقسيم الثالث باعتبار المؤول الذي يقابله المدلول عند سوسير، فهو ينقسم إلى التصور، التصديق، الحجة، ويمكن تمثيل هذا المبنى الثلاثي عند بيرس وفق الخطاطة الآتية:[3]


[1] - ميشال أوريفيه وآخرون: السيميائيات أصولها وقواعدها، ص26.
[2] - رشيد بن مالك: البحث السيميائي المعاصر، أعمال ملتقى "الأدب الجزائري في ميزان النقد السيميائية والنص الأدبي، جامعة عنابة 1995، الجزائر ، ص9-10.
[3] - ينظر: عبد الله إبراهيم وآخرون، معرفة الآخر، ص 79.


                                علامة منفردة
علامة نوعية                                                   علامة عرفية

     أيقونة                                                     تصوير

مؤشر شاهد                                                        تصديق
              موضوع                                        مؤول
رمز                                                                     حجة

وإذا رجعنا إلى التفصيل أو التفريغ الثلاثي للعلامة وفقا لماهيتها في ذاتها نجد أنّ:
-     الممثل:
أ‌-    علامة نوعية (طبيعية): لا يمكنها أن تتصرف كونها علامة حتى تتجسد ولكن لا يربط أبدا بطبيعتها من حيث كونها علامة، مثال اللون الدال على شيء ما.[1]


[1] - فيصل الأحمر: معجم السيميائيات، ص54.



أ‌-    علامة منفردة: هي الواقعية الفعلية التي تشكل علامة ولا يمكن أن تكون علامة إلا عبر نوعيتها، ولهذا فهي تتضمن علامات عرفية متعددة ومتميزة بخصوصيتها فهي تشكل علامة عندما تتجسد فعليا.
ج‌- علامة عرفية: هي عرف يشكل علامة أسسه البشر، وكل علامة متواضع عليها هي علامة عرفية وليس العكس، وليست العلامة العرفية موضوعا واحدا، بل نمطا عاما قد تواضع الناس على اعتباره دالا (ليس له مقابل لدى دوسوسير)، وتعد أنساق الكتابة الخاضعة لقواعد الصرف والنحو علامات عرفية[1].
أما التفريع الثاني وهو أشهر التفريعات التي تحدد أنواع العلامات من منطلق العلامة القائمة بين الموضوع والمؤول تقع على الأنواع التالية:
أ‌-    العلامة الأيقونية أو الصرفية: وهي العلامة التي تكون فيها العلاقة بين المصور الدال والموضوع المشار إليه علاقة تشابه بالدرجة الأولى مثل الصورة الفوتوغرافية.


[1] - ميشال أوريغيه: السيميائية أصولها وقواعدها، ص27.


أ‌-         العلامة المؤشرية: وهي العلامة التي تكون فيها العلاقة بين المؤول والموضوع الدال علاقة سببية منطقية (يطلق على المؤشر اسم الشاهد)، ومن أمثلة الشاهد الدخان بالنسبة للنار[1].
ج‌- العلامة الرمزية: وهي العلامة التي تكون فيها العلاقة بين المؤول والموضوع علاقة عرفية محضة، فلا يوجد بينهما تشابه مثل ارتباط الحمامة بالسلام، والشمس بالحرية، وصوت الغراب بالتشاؤم.
 أما التقسيم الثلاثي الثالث فيكون باعتبار المؤول الذي يقابل المدلول لدى دي سوسير:
أ‌-    التصور: ويعني كل علامة مركبة لا تصلح لأن تكون حكما بل فقط حدا في الحكم (حكم أو حد) وهي بالتالي لا تحتمل الصدق ولا الكذب، من هذا القبيل المحمولات البسيطة مثل: أشقر، طويل.
ب‌-     التصديق: هو علامة قابلة للحكم أي أنها تقبل الصدق أو الكذب.
ج‌-  الحجة: هي تأليف من العلامات لا يتعلق سوى بالقواعد كالقضايا البرهانية، وتعتبر الحجة صحيحة أي دائمة الصدق.
ويعتبر تقسيم "بيرس" للعلامات أكثر انتشارا وفاعلية في مجال الدراسات السيميائية[2]. ورغم هذا فقد وجه "إميل بنفنيست" نقدا لمحتواه أي بيرس حول كل شيء إلى علامة،


[1] - ميشال أوريغيه: السيميائية أصولها وقواعدها، ص27.
[2] - عبد الله ابراهيم وآخرون: معرفة الآخر، ص82.


ووضع العلامات أساسا للعالم بأسره سواء كانت عناصر هذا العالم حسية ملموسة أو عناصر مجردة، حتى الإنسان في نظره علامة، وكذلك مشاعره وعواطفه وأفكاره.
لا تقوم العلامة إلاّ بوجود هذه العناصر الثلاثة مجتمعة (ممثل، مؤشر، مؤول) وهذا ما يسميه "بيرس بالسيميوزيس"، وكان "بيرس" من أوائل السيميائيين الذين أدخلوا مفهوم السيميوز إلى الدراسات السيميائية الحديثة.
إن العلامة تتكون من ثلاثة عناصر أساسية –كما سبق الذكر- سعيد بنكراد إلى ماثول وموضوع، مؤول، فهي ليست سوى الوجه الآخر لضرورة تخفي داخلها فعل الإدراك ذاته.
وما نستخلصه عموما هو أن النظرية السيميوطيقية عند "بيرس" متشعبة للغاية، استهدفت مختلف الأنساق المعرفية الأخرى، فالسيميوطيقا عنده ذات وظيفة فلسفية منطقية، تقوم على فكرة الإستمرارية والتداولية، كما أسس الخطوات المنهجية لدراسة العلامة[1].
1-         سيميولوجيا الدلالة / رولان بارث Roland Barthes
انطلاقا من كون العلامات تحمل دلالات مختلفة تفهم بطرائق عدة، ومن كونها تتغير بتغير السياقات والمواقف، جاء أصحاب سيميائية الدلالة ليؤسسوا إتجاههم المتميز والمختلف اختلافا جوهريا عن الإتجاه الأول (سيميولوجيا التواصل).


[1] - ينظر: جيرارد دولودال، بيرس أو سوسير، تر: عبد الرحمان بوعلي، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد 03، 1988، ص177.


جاء هذا الاتجاه كرد فعل على أصحاب سيميولوجيا التواصل بحيث يعتبر الرائد الأول له (رولان بارث) الذي قلب المقولة السوسيرية التي ترى بأن اللسانيات ما هي إلا جزء من علم العلامات العام ليؤكد في كتابه "درس السيميولوجيا" أن: "السيميولوجيا نفسها استمدت مفاهيمها من اللسانيات"[1]. كما أنّه أعطى أولوية كبيرة للغة إذ يرى بأنها لا تستنفذ كل إمكانيات التواصل سواء بمقصدية أو غير مقصدية، وبكل الأشياء الطبيعية والثقافية سواء كانت اعتباطية أو غير اعتباطية[2].
ومن هنا جاء رأيه في أن اللسانيات أصل والسيميائيات فرع خلافا لسوسير، كما أن "رولان بارث" يعتبر النص ثمرة اللغة يعنى به نسيج الدلائل والعلامات التي تشكل العمل الأدبي ويرى أن اللغة تجارب داخل اللغة، لا عن طريق التبليغ، وإنما بفعل الدور الذي تقوم به الكلمات وتشكل هي مسرحه[3].
إن ما يميز الاتجاه البارثي عن باقي الاتجاهات بما فيها السوسيري هو قلبه لأطروحة سوسير القائلة بعموم علم العلامة وخصوصية علم اللغة وذلك في قول بارث:


[1] - رولان بارث: درس السيميولوجيا، تر: عبد السلام العالي، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 1986، ص21.
[2] - ميشال أوريغيه: السيميائية أصولها وقواعدها، ص32.
[3] - رولان بارث: درس السيميولوجيا، تر: عبد السلام العالي، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 1986، ص20.


يجب منذ الآن تقبل إمكانية كل الاقتراح السوسيري، ليست اللسانيات جزءا ولا فصلا من علم العلامات العام، ولكن الجزء هو علم العلامة باعتباره فرعا من اللسانيات[1].
والميزة الأخرى لإتجاه بارث هو أنه رفض التمييز بين الدليل والأمارة، وكذلك تأكيده على ضرورة التكافل عند كل دراسة لنظام الدلائل باللغة باعتبارها واقعية اجتماعية.[2]
وهذا وقد درس عبد الله ابراهيم وآخرون مختلف التيارات أو الإتجاهات السيميولوجية في مؤلفهم "معرفة الآخر"، وكذا "غريب اسكندر" في مؤلفه "الإتجاه السيميائي في نقد الشعر العربي"؛ فتوقفوا مطولا عند سيمياء الدلالة بوصفها تيارا أو إتجاها جديدا تجسد في كتابات بارث إذ عمل على تقسيم عناصر سيميائيات الدلالة إلى أربعة ثنائيات مستقاة من الألسنة البنيوية وهي اللغة والكلام الدال والمدلول المركب والنظام، التقرير والإيحاء[3].
ونخلص إلى أن إتجاه سيميولوجيا التواصل وسيميولوجيا الدلالة/ رولان بارث، من أهم الاتجاهات السيميائية التي حظيت باهتمام النقد المعاصر.
1-         سيميولوجيا الثقافة:
بعد أن تطرقنا إلى الإتجاهين التواصلي والدلالي نحيل إلى ثالث هذه الإتجاهات وهو الإتجاه الثقافي الذي يعكس القول إلى حد ما أنه يجمع بين النوعين السابقين (سيمياء


[1] - عبد الله ابراهيم وآخرون: معرفة الآخر، ص96.
[2] - فيصل الأحمر: معجم السيميائيات، ص92.
[3] - ينظر: عبد الله ابراهيم وآخرون ص 99-106، وغريب اسكندر: الاتجاه السيميائي في نقد الشعر العربي، المجلس الأعلى للثقافة 2002، ص 47-53.



الدلالة وسيمياء التواصل)، تعود جذور سيميوطيقا الثقافة إلى فلسفة الأشكال الرمزية عند "أرنست كاسر" وقد انبثق بشكل رئيسي في الفلسفة الماركسية ومن أهم رواد هذا الإتجاه السوفياتي (يوري لوتمان، إيفانوف، تودورف) وفي إيطاليا ( روسي، لاندو أمبرتو إيكو)"[1]، تنطلق سيمياء الثقافة من اعتبار الظواهر الثقافية موضوعات تواصلية وأنساق دلالية، والثقافة عبارة عن إسناد وظيفة لأشياء الطبيعة وتسميتها وتذكرها وهي بذلك تكون مجالا تواصليا تنظيميا لأخبار في المجتمع الإنساني، وعلى هذا فإن السيميائيات ترتبط باللسانيات وخاصة اللسانيات البنيوية والتحليلية ولسانيات الخطاب، كما نجد أصحاب هذا الإتجاه يرون بأن العلامة تتكون من بناء ثلاثي (الدال، المدلول والمرجع)، وهو تصور مختلف عن تصور "بارث" ويتفق نوعا ما مع بناء "بيرس" وتبعا لذلك باستخدام أصحاب هذا الإتجاه مصطلح السيميوطيقا  "البيرسي" بدلا من مصطلح "السيميولوجيا السوسري" فالأنظمة السيميائية تقوم وظيفتها التواصلية متساندة على الرغم من كونها بنيات عضوية جوهرية مادامت تترابط داخليا وخارجيا برابط ثقافي معين، كما يمكن أن تشكل ثقافات متعددة وحدة ثنائية عامة في إيطار جغرافي عرقي ديني كثقافات الشعوب الإسلامية. أما بالنسبة "لمصطلح النص" عندهم فهو يتجاوز حدود المكتوب وينظر إليه على أنه علامة كاملة أو متوالية من العلامات يشكل في الحالة الأولى وحدة غير مجزأة، وفي الثانية إلى


[1] - ميشال أوريغيه: السيميائية وأصولها وقواعدها، ص23.



خواص وملامح متميزة[1]. فالثقافة عندهم هي مجموعة من الأنظمة السيميائية الخاصة المتدرجة.
ويمكن اعتبارها آلية خاصة تتولد عنها تلك النصوص المرتبطة بمجموعة من الوظائف، كما أن النصوص المبدعة تحتوي على ذاكرة المشاركين فيها، فهي تستوعب ثقافة أخرى إلى إشاعة وبث بعض أنماط السلوك وبعض أبنية الشخصية خلال فترات طويلة[2].
هناك مجموعة من الإتجاهات التي اهتمت بالثقافة وترى أنه ليست للعلامة أي قيمة تواصلية معينة، كما أنه لا  شأن لها معزولة مفردة. بل لابد من إندراجها في نظام محدد في مداراته ومن بين هذه الإتجاهات[3] نجد الإتجاه الروسي المتمثل في جماعة "موسكو"، "تارتو"، و "روسي لاندي"، نجد أمبرتو إيكو لا ينظر إلى الأشياء في استقلاليتها، وإنما في ربطها بالسلوكات المبرمجة من طرف الأشخاص، وبالتالي فأي نسق تواصلي يؤدي وظيفة ما، أما "لاندي" فإنه يحدد سيميوطيقة من خلال أبعاد البرمجة التي يمكن حصرها في ثلاثة أنواع:
1- أنماط الإنتاج (علاقة الانتاج).
2- الإيديولوجيات (تخطيطات إجتماعية لنمط عام).


[1] - حبيب مونسي: نظريات القراءة في النقد المعاصر، ص106.
[2] - عبد الله إبراهيم: معرفة الأنا، ص108-109.
[3] - فيصل الأحمر: معجم السيميائيات، ص 100.


1- برامج التواصل اللفظي والغير لفظي
إن السيميوطيقا عند لاندي مرتبطة أشد الإرتباط بالجانب الإيديولوجي المرتبط بدوره بالسلوكات الإنسانية، إذ يهدف إلى الكشف عن سلوكات الإنسان وتعريتها من خفايا الإيديولوجيات المختلفة.
ولهذا نلاحظ أن ما يتفق فيه الإتجاه الروسي والإتجاه الإيطالي في التركيز على سيميوطيقا الثقافة هو أن الظواهر الثقافية ذات مقصدية تواصلية[1]، كما أن أصحاب مدرسة "تارتو" وأصحاب الإتجاه الإيطالي قد شكلوا إتجاها سيميوطيقيا خاصا بالثقافة حمل على عاتقه الكثير من العناصر الثقافية ودرسوها دراسة سيميوطيقية كانت لها جدارتها ومازالت، وأهم هذه العناصر: النص، الصورة، الإشهار ومختلف الفنون الأخرى.
مما سبق يجدر القول أن هناك من الّإتجاهات التي لم أتحدث عنها في هذا الفصل لأن اهتمامي كان منصبا أكثر على القواعد الفكرية من حيث الأصول المعرفية التي تأسس عليها المنهج السيميائي من وجهة النظرية اللسانية وأيضا عند "رولان بارث".


[1] - فيصل الأحمر: معجم السيميائيات، ص101.




تأسيس العنوان

    I.       تأسيس العنوان 1-        مفهوم العنوان: إنّ العنوان كان ولا يزال يسترعي اهتمام النقاد والدارسين، وليس الأمر جديدا، فقد است...